محمد محمد أبو موسى

477

البلاغة القرآنية في تفسير الزمخشري و أثرها في الدراسات البلاغية

اللَّهِ وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصابَها وابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَها ضِعْفَيْنِ فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ » « 10 » : « والمعنى : مثل نفقة هؤلاء في زكاتها عند اللّه « كَمَثَلِ جَنَّةٍ » وهي البستان « بِرَبْوَةٍ » بمكان مرتفع ، وخصها لأن الشجر فيها أزكى وأحسن ثمرا ، « أَصابَها وابِلٌ » ، مطر عظيم ، « فَآتَتْ أُكُلَها » ، ثمرتها ، « ضِعْفَيْنِ » مثلما كانت تثمر بسبب الوابل « فَإِنْ لَمْ يُصِبْها وابِلٌ فَطَلٌّ » فمطر صغير القطر يكفيها لكرم منبتها ، أو مثل حالهم عند اللّه بالجنة على الربوة ونفقتهم الكثيرة والقليلة بالوابل والطل ، وكما أن كل واحد من المطرين يضعف أكل الجنة فكذلك نفقتهم كثيرة كانت أو قليلة بعد أن يطلب بها وجه اللّه ويبذل فيها الوسع زاكية عند اللّه زائدة في زلفاهم وحسن حالهم عنده » « 11 » . ويصور القرآن حال المنافقين في صورتين متتاليتين وفي كل صورة منها إذا نظرت إليها متناسقة متكاملة تصوير قوى وواضح لحيرتهم وضلالهم ، والزمخشري يحاول أن يجد شبها بين جزئيات الصورة وأحوال في المشبه ثم يعدل عن هذا إلى المذهب الجزل الذي عليه العلماء لا يتخطونه يقول في قوله تعالى : « مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ ناراً فَلَمَّا أَضاءَتْ ما حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لا يُبْصِرُونَ . صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ . أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ ، وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ » « 12 » : « فان قلت : فيم شبهت حالهم بحال المستوقد ؟ قلت : في أنهم غبّ الإضاءة خبطوا في ظلمة ، وتورطوا في حيرة ، فان قلت : وأين الإضاءة في حال المنافق ؟ وهل هو أبدا الا حائر خابط في ظلماء الكفر ؟ قلت : المراد ما استضاءوا به قليلا من الانتفاع بالكلمة المجراة على ألسنتهم ، ووراء استضاءتهم بنور هذه الكلمة ظلمة النفاق التي ترمى بهم إلى ظلمة سخط اللّه وظلمة العقاب السرمدي ، ويجوز أن يشبه بذهاب اللّه بنور المستوقد اطلاع اللّه على أسرارهم ، وما افتضحوا به بين المؤمنين ،

--> ( 10 ) البقرة : 165 ( 11 ) الكشاف ج 1 ص 57 . ( 12 ) البقرة : 17 - 19